ساسي سالم الحاج

49

نقد الخطاب الاستشراقي

ونحن لا تهمّنا الأسباب الدينيّة ، والاقتصادية ، والسياسية ، والعسكرية التي قامت هذه الحروب من أجلها ، ولكننا نهتم في الواقع بآثارها من الناحية الفكرية والثقافية لتحديد الاستشراق وبيان الأسس التي قام عليها إبان هذه المرحلة وخاصة آثار هذه العلاقة بعد انتهائها ، وما رافقها من ظاهرة التبشير المنظم الذي سعت إليه أوروبا أملا في انتصارها على الشرق بعد أن ذهبت الحلول العسكرية أدراج الرياح . بعد أن خفت حدّة المعارك بين النصارى والمسلمين ، قامت علاقة بين العدوين اللدودين تتسم بشيء من الصداقة ، وتعرّف كل طرف بالآخر ، وتمثّلت هذه العلاقة في قيام العديد من الصليبيين بالزواج من المواطنات في بلاد فلسطين من المسيحيات والأرمنيات ، وسلك المسلمون نفس السبيل فتزوجوا من العديد من المسيحيات خاصة اللائي كن أسيرات ثم اعتنقن الإسلام . وعقدت أحلاف واتفاقيات كثيرة بين بعض الأمراء المسيحيين والمسلمين ، وبدأ الغرب يتعرف إلى الشرق ، وانمحت شيئا فشيئا تلك الصورة القاتمة التي كان يحملها عن الشرق . فلم يعد الصليبيون يرون في المسلمين أولئك القوم الغلاظ الشداد الجبناء ، الكفرة ، عبدة الأوثان - حسب زعمهم - ولكنهم لمسوا حضارة عريقة وثقافة سامية ، وشجاعة نبيلة ، وأخلاقا فاضلة خاصة بعد تلك المعاملة التي أسبغها صلاح الدين على أسراه من النصارى الذين سقطوا في يده بعد فتح القدس . فتغيرت الصورة كلّيا ، وفعل قانون التأثر والتأثير فعله ، فقد تزيّا الأوروبيون بالزي الشرقي ، وزاد اتصالهم بمن يعيشون في تلك الممالك المسيحية من المسلمين ، فقلّ بذلك ما بينهما من تنافر وعداء ، فكان التجار المسلمون يدخلون إلى تلك الممالك ويتبادلون السلع فيها بكل حرية ، وأخذ المرضى المسيحيون يفضلون الأطباء المسلمين واليهود على الأطباء المسيحيين ، وأصبحت اللغة العربية هي لغة التخاطب اليومي العامة للسكان « 1 » . وعندما انتهت العمليات العسكرية نهائيا بطرد آخر الجنود الصليبيين من عكّا عام 1291 م ، قفل العديد من المسيحيين راجعا إلى بلاده ، ورافق ذلك الاستيلاء على الآلاف من الكتب والمخطوطات العربية ، ونقلت جميعا إلى المكتبات الأوروبية المختلفة وما زالت في هذه المواطن إلى يومنا هذا . وهذه الكنوز الأدبية والتاريخية لا تزال مصدرا لا ينضب للمستشرقين قديما وحديثا . وكان من نتائج الحروب الصليبية أن

--> ( 1 ) ول ديورانت ، قصة الحضارة ، المرجع السابق ، الجزء الخامس عشر ص 34 .